دوار الحيرة، بعد الحرية اللا مألوفة!

ليلة جميلة، ونجد تتعلق بثوب الشتاء الراحل، كانت يدي تود لو أنها تثنيه. هذه السنة مهمة جدًا، وأنا أقدر كل يوم منها، كأنها أول سنة أعرفها، والصيف قادم.

لو كنتَ إنسانًا قديمًا بعض الشيء، لا تعيش إلا بمستقبل يغريك غموضه، تقرأ الأيام بحماس الشباب أملًا بالوصول لشيء يحوّل حياتك إلى شيئًا آخر، ربما هذا يعتبر اليوم تهديدًا لاستقرار إنسان حديث.

أيها الإنسان المستقر الحديث لا شك في أنك رسمت لنفسك خطة ما؟ أنا فعلت، بخبرة ضحلة وآمال كبيرة وعلم قليل وروح متقدة، كنت أدمر الدنيا عندما يحيد أمر ما عن خطه الذي حددته له، وأنا بقدمين لينتين كما الطفل، أعقد حاجبي وأتذمر ببراءة المظلوم، لماذا؟

لأنني ارتكبت خطأ منذ البداية!

عندما تتخرج من الجامعة مثلًا، تواجه الحياة وجه لوجه دون اشراف معلمك أو قوانين جامعتك، تتجلى حياتك أمامك كأرض بكر، شكّلها كما شئت.

لن يجاملك أحد غالبًا، لن يقدرك أحد، سيبدو لك كل شيء كـ خيارات، تردد كثيرا في أخذ ما تريد وترك مالا تريد، كل شيء يدور، وقد تتغير تمامًا.

أيها الحيارى، حالي حالكم، فأنا شارد بالنهار ساهر الليل، فطوري بضع زيتونات وأملي بساتين على مد النظر، ربما بكيت من فرط الحيرة وألم الغفلة، ووهم الفرص الضائعة، كنت أنام وأنا أدري بأن كنوزًا مؤقتة تنتظرني وأنا أفوّت، بل ربما أنا فرصة، من ينتهزني؟

بعد العشرين نحن بحاجة لخبرة، لقد فهمت أنه لا يجدر بي أن أتوقف للحظة، لن أنفرد بلوحتي، بل سأبدأ رحلتي، لأعود بعد مدة بقلب ممتلئ وأنفرد بلوحتي وأنا أعرف تمامًا ماذا أرسم وكيف أرسم.

أيها العشريني الغض : تعلّم، تأدّب، ولاحظ، دُم واعيًا، اجمع تجاربك، ضاعف قدراتك ومهاراتك، اصبر طويلًا، وتحصرّم (مرحلة يمر بها الزبيب قبل أن يصير زبيبًا) قبل أن تتزبّب، اكبح جماحك، فإنك إن لم تصبر فاتك خير كثير. واحفظ قلبك من المرض والأنانية.

لا بأس أن تتألم، فببطن المآسي تنام الدرر، إنما الصبرَ الصبر.

هل أنت سعيد بحريتك؟ للحرية مناخ مخيف، ومسؤوليتها كبيرة، لا تكون الحرية حريةً ما لم تسر في خط متوازي مع المسؤولية، وإلا فهي عبث وخبط البهائم.

آكل ما أريد عندما أريد!
هنا فهمت ما تنطوي عليه الحرية التي كنت أحلم بها في منزل جدتي، الحرية كانت بيضاء فوق الصحن في الصباح الباكر!


ألبيرتو مانغويل

للحرية وجه بارد قاسي، كصحن الفطور الفارغ بكل بساطة، فأنت مسؤول عن نفسك مهما أصابك، مهما خُدعت، مهما جهلت، ستأمرك الحياة بصرامة : لا تَضِعْ!

أنا كان خطأي أنني لم أعرف من أنا؟ كم أعلم وكم أجهل؟ فكيف أتخير وأتعجرف بلا علم؟

لا أعلم الأصلح على اليقين، لا أعلم أين ينبغي أن أكون ومتى، أعرف هدفًا رائعًا لا أملك له خريطة واضحة، لا أخبُرُ أي طريق أسلكه إليه، لا أعلم عن الواقع كثيرًا، ولا عن المستقبل أبدًا. كيف تزهو بنفسك وأنت مثلي؟

أشعر بالحمق، علي أن أتوكل على الله، (هذا التوكل الذي لا نعي معناه من كثرة ما نسمعه على أحوال كثيرة لينًا وشدة) وأفتحُ النوافذ للمفاجآت، لتدخل الشمس دون أن أخشى على المصابيح التي صنعتها، سأسأل كثيرًا، وسأُخضع دستوري للنقد والتعديل، ولن يكون دستورًا، بل منهجًا فقط . وإلا فالمسألة ستكون شخصية وجزائك آتيك.

سر طويلًا واعمل بجد ولا تهرب من المشقة، تعلّم من الحياة وجهًا لوجه بعدما كنت تدرس عنها، واجهها الآن ولك أسوة بالإنسان الكامل الذي يرضاه الله (حبيبنا محمد عليه صلاة الله وسلامه) أرسم بنفسك الرجل الذي تخيلته أنت، وابدأ بتجسيد سيرتك رضي الله عنك.

لتكن هذه سلوة لك، واقبلها مني بلا صفة مميزة، فما نحن إلا أقران.

وشكرًا لك!

Advertisements

بدء ذي بدء…

منذ سنوات عقدت العزم على أن أنشئ مدونة أكتب فيها ما شاء الله أن أكتب، وكنت أتردد بسبب قلقي من جودة المواد التي سأكتبها، فعندما أكتب مقالًا كنت أخشى من الكتّاب الأفذاذ أن يغضبوا مني، وعندما أكتب شعرًا كنت أخشى من الشعراء أن يمتعضوا من شعري، وعندما أكتب قطعة نثرية فإني أخشى من الأدباء أن يشمئزوا منها!

The Beach at Palavas، 1854 ، GUSTAVE COURBET

لم أخجل من أفكاري ومبادئي لحظة من عمري، انما كنت أتردد في جودة الأسلوب وفعاليته وقبوله.

لكن ما وعيته أخيرًا هو أن لي من الحرية ما يكفل لي حق كتابة ما بدى لي وبأي أسلوب أرتضيه على طريقتي الخاصة، وأن أتجاهل كل ذي مخلب وناب من الجرّاحين الذين أتهمهم مهما كان شأنهم، فما هم بمني ولا أنا بمنهم.

أعتقد أن الأوان قد آن لكسر السد، وليذهب نهري لمجراه الذي قدر الله له، لن يكون النهر جميلًا لو أنه لبث عدد سنين يخطط كيف سيكون مجراه وإلى أين يذهب، وأنا مخلوق من الأرض أمتلك الحق الكامل لأجري كيفما شئت ولأتعرج بفنيّة وحرية، هاربًا كل الهرب من الفن الأكاديمي الذي سيزج بي في مجرى محدد ومصمم بدقة هندسية وموضوعية فضيعة.

فليكن هذا نوعًا شاذًا من الفن لا يمكن لأحد أن يربطه بشيء ما، ثم يستنكره استنادًا إلى ما ربطه به. أنا هنا أستخدم الأبجدية فقط.

ممتن جدًا لزيارتك لي، أنا وأنت بشر نعرف طبيعة شعورنا ونعرف قيمة تجاربنا، ولا نساوم عليها، مهما كثر من لا يقدرها ويبخسها، نحن لن نحزن عندما نُكبرها بتداولها ونشرها عبر العديد من النُسخ ما دام الأصل يأخذ مكانه من التقدير والتفهّم والدمج، لن تضره نسخة رُميت منه أو أُحرقت أو أُهملت. إذا كنّا نقلق كثيرًا على النسخ فلن نُقدِم على شيء مهما كان ومهما كنا.

قد يبدو حديثي عما نكتبه مغرقًا بالغرور وليس كذلك؛ فإنك عندما تكتب لن تكتب إلا ما قمت عليه واعتنيت به حتى نضُجَ تمامًا، وإلا فليس للغرور محل في عالم الإبداع.

الربيع