الاستفزاز المزمن…

مللت من تعكر وجهي فقط كلما داس أحدهم على قدمي، سيسقط عنه الإعتذار بمجرد التظاهر بأنه لم يشعر بذلك! في هذه الحالة سأعثر أنا على عذر له، وإلا فسأظل غاضبة.

لقد وضعت خططًا، فبكيت أشلائها المتناثرة التي قطعّتها مراوح الحياة الصاخبة بحدتها المعدنية. خططي المسكينة تتقطع بوحشية رغم التزامها بالإشارة، فهي لم تُقدم إلا عند حلول العطلة وهو موسمها الأنسب.

أنا أيضًا لدي مراوح معدنية مزاجية صغيرة، تطرب للدوران مع ريح العواصف كالمراوح الكارثية الكبيرة.

أن تفقد الكثيرمن النشاط والحماس ببساطة وتفاهة، استمرار ذلك نذير بمستقبل مأساوي.

لكن لا تيأس، أوقف هذه التضحيات فورًا بمباعدة العواصف، وادفع بروحك في سبيل الحفاظ على وهجك ما استطعت. ارفض بقوة كل ما يفسد أمرك، ولا تبقى ضعيفًا ثم مظلومًا ثم معذورا لأن هذه الحال أفضل من البلادة والإهمال والضياع. بل حقق الدرجة التي ترضيك ولا ترضى الدون.

كثير من الأمور البسيطة تؤثر ولكن بشكل غير مباشر، كأن تحب أو تكره أمورًا لا يتم تقديرها، تجدد المشاكل مع أشخاص يتعين عليك مخالطتهم، يتم ايقاضك لأسباب سخيفة، تعد شيئًا ثم لا تجده في أوانه، تلقي الأعباء في أيام العطل… يا إلهي!

قبل قليل فقط [مثال للاستفزاز] في غيابي استعارت أخت فوضوية شيئًا لي يصعب نقله من غرفتي، فأسقطت لوحتي العزيزة خلف المنضدة، وحطمت – ربما بحفة أو حفتين- ورودي الميتة التي استهدفها للرسمة القادمة، وفصلت سلك حاسوبي المسن الذي لم أقم بحفظ أعمالي عليه بعد، ضاع الكثير، قالت لي بعيون بريئة : والله ما دريت!!

وأنا أصر على الصبر، وما من طريقة أخرى لائقة.

لا أحد يفهم الآخر مهما فهم من أجزائه، لذا لا أحد يهتم بتحليل النتيجة ومسبباتها بقدر ما يخطفها خطفًا ويهرب منك وهو يسوقها سوقًا في سُبله المَرْضِيَّة التي تكفل له الفهم ثم الإطمئنان.

بصراحة لسنا أحرارًا بالتصرف مطلقًا، أفترض أنك تعلم أنه حتى عندما تتخير لنفسك فإن الخيارات نفسها محددة مسبقًا، فكيف بك وأنت تتصرف مع الناس، فلنا أطر محددة نحفظ بها مصالحنا ومصالح غيرنا، وبالطبع أنا لا أعترض على المصالح المعتبرة، انما أضجر من المصالح التعسفيّة التي يرسمونها على تفاوت بينهم في الخطوط والمواهب، وليس عندي طريقة تحمي فرديتك وتُجنّبك المشاكل لأطرحها هنا، لكن – وبميزان – علينا أن نختار المشاكل ونقف بثبات في وجهها بلا مداهنة أو مداراة وأن لا نسترسل ونتساهل في أمور مقززة أو مخزية تكون دافع حسرة أو خجل في وقت ما.

الحرية الكاملة نجدها في أرواحنا، في مملكة الله، ولا يمكن أن نجدها تامةً في الواقع المادي الطبيعي. هكذا هي.

نحتاج مولدات للصبر والسكينة، فأمامنا الكثير، ومن منا سيحتمل الترنّح من ضغط أعصابه التي تُصعق باستمرار بلا عوازل [حدود تحمي أو تخفف من الإنتهاكات] أو محوّلات [تشتيت السلبية ومحاولة تحويلها لشيء مفيد] أو تحديث تقني [تقنيات نفسية وعملية وصقل للذات] ؟! حتى ولو كنت مدللًّا، فسيأتيك ما يناسبك أو لا يناسبك.

ولا يمكن للعبد أن يصبر إن لم يكن له ما يطمئن به ويتنعم به ويغتذي به، وهو اليقين.

ابن تيمية

مثلما تمضي الثانية، والدقيقة، والسنة، سيمضي الجميع كما مضت الجموع السابقة وكما نفعل نحن وكما تهم به تلك الجموع اللاحقة، ولا نحب أبدًا أن نكون عند غروب الحياة بحال نفسية رثة للغاية، يجب أن يكون يومًا نرضى فيه عن الماضي الذي أصلحناه وجمّلناه، ونتفائل فيه بالمستقبل الذي نجزى فيه بما عملنا، كأكبر يوم تخرّج في حياتنا، وكمراسم تسليم آخر ورقة لأعظم امتحان.

كل حياة تدور بين احتمالين لا ثالث لهما، وبتسلسل مُحدّد مُقلِق لـ سيئة..حسنة..سيئة..حسنة..سيئة..حسنـ.. .. أُقتل توترًا على أيها تكون الخاتمة؟ ألا يتطلب الأمر حذف واحد من الإحتمالين لضمان نتيجة؟ .

هل وصلنا إلى شيء؟

ربما..

الربيع*

الإعلانات

بدء ذي بدء…

منذ سنوات عقدت العزم على أن أنشئ مدونة أكتب فيها ما شاء الله أن أكتب، وكنت أتردد بسبب قلقي من جودة المواد التي سأكتبها، فعندما أكتب مقالًا كنت أخشى من الكتّاب الأفذاذ أن يغضبوا مني، وعندما أكتب شعرًا كنت أخشى من الشعراء أن يمتعضوا من شعري، وعندما أكتب قطعة نثرية فإني أخشى من الأدباء أن يشمئزوا منها!

The Beach at Palavas، 1854 ، GUSTAVE COURBET

لم أخجل من أفكاري ومبادئي لحظة من عمري، انما كنت أتردد في جودة الأسلوب وفعاليته وقبوله.

لكن ما وعيته أخيرًا هو أن لي من الحرية ما يكفل لي حق كتابة ما بدى لي وبأي أسلوب أرتضيه على طريقتي الخاصة، وأن أتجاهل كل ذي مخلب وناب من الجرّاحين الذين أتهمهم مهما كان شأنهم، فما هم بمني ولا أنا بمنهم.

أعتقد أن الأوان قد آن لكسر السد، وليذهب نهري لمجراه الذي قدر الله له، لن يكون النهر جميلًا لو أنه لبث عدد سنين يخطط كيف سيكون مجراه وإلى أين يذهب، وأنا مخلوق من الأرض أمتلك الحق الكامل لأجري كيفما شئت ولأتعرج بفنيّة وحرية، هاربًا كل الهرب من الفن الأكاديمي الذي سيزج بي في مجرى محدد ومصمم بدقة هندسية وموضوعية فضيعة.

فليكن هذا نوعًا شاذًا من الفن لا يمكن لأحد أن يربطه بشيء ما، ثم يستنكره استنادًا إلى ما ربطه به. أنا هنا أستخدم الأبجدية فقط.

ممتن جدًا لزيارتك لي، أنا وأنت بشر نعرف طبيعة شعورنا ونعرف قيمة تجاربنا، ولا نساوم عليها، مهما كثر من لا يقدرها ويبخسها، نحن لن نحزن عندما نُكبرها بتداولها ونشرها عبر العديد من النُسخ ما دام الأصل يأخذ مكانه من التقدير والتفهّم والدمج، لن تضره نسخة رُميت منه أو أُحرقت أو أُهملت. إذا كنّا نقلق كثيرًا على النسخ فلن نُقدِم على شيء مهما كان ومهما كنا.

قد يبدو حديثي عما نكتبه مغرقًا بالغرور وليس كذلك؛ فإنك عندما تكتب لن تكتب إلا ما قمت عليه واعتنيت به حتى نضُجَ تمامًا، وإلا فليس للغرور محل في عالم الإبداع.

الربيع